نصر حامد أبو زيد

71

الاتجاه العقلي في التفسير

غاب عنا قياسا على معرفتنا لما نشاهده . ويقسم القاضي عبد الجبار الصفات الإلهية على أقسام « منها ما يجب له في كل حال ، ككونه عالما وقادرا . ومنها ما يستحيل عليه في كل حال ، ككونه متحركا وساكنا ، إلى سائر ما يختصّ ما خالفه من الجواهر والأعراض . ومنها ما يستحيل عليه فيما لم يزل ويصحّ عليه فيما بعد ذلك ، كصفات الأفعال أجمع ، ككونه محسنا ومتفضّلا ورازقا وخالقا ، فلا يجب إذا قلنا أنه يستحيل كونه متكلّما فيما لم يزل أن يستحيل ذلك عليه أبدا ، بل يصحّ ذلك عليه إذا صحّ أن يفعل الكلام ، كما ذكرناه في صفات الأفعال » 105 فصفة الكلام إذن صفة فعل ، وليست صفة ذات . وصفة الفعل لا يمكن أن يوصف بها اللّه فيما لم يزل ، بل هي صفة حادثة مع وجود الحاجة للكلام . وإذا كان الأمر كذلك ، فإن كلام اللّه ليس قديما ، بل هو محدث لارتباطه بوجود من يخاطبه عز وجل من الملائكة أو البشر ، ووجودهم محدث لا مراء . والكلام الإلهي - من ناحية أخرى - لا بدّ أن يكون مفيدا ، لأنه يتوجه إلى مخاطب . فإن لم يكن مفيدا دخل في العبث الذي يتنزّه اللّه عنه ، لوقوع أفعاله كلها في دائرة الحكمة والصواب . ووجوب الإفادة في كلام اللّه مع وجوب الحدوث يؤديان معا إلى ضرورة أن يكون كلامه سبحانه مسبوقا بالمواضعة « لأن الكلام لا يكون مفيدا إلّا وقد تقدّمت المواضعة عليه ، وإلّا كانت حاله وحال سائر الحوادث لا تختلف » 106 . لا يختلف الأشاعرة مع المعتزلة في اعتبار المواضعة شرطا من شروط الدلالة اللغوية كما رأينا عند الباقلاني . ولكنهم يختلفون معهم في تحديد صفة الكلام الإلهي على أساس « أن كلام اللّه تعالى صفة لذاته لم يزل ولا يزال موصوفا به وأنه قائم به ومختص بذاته » 107 . وهذا الخلاف بين قدم الكلام الإلهي - قول الأشاعرة - وبين حدوثه - قول المعتزلة - كان من شأنه أن يثير خلافا حول أصل المواضعة في اللغة هل هي توقيف من اللّه أم اصطلاح من البشر ؟ وكان من الطبيعي أن يذهب الأشاعرة إلى اعتبار المواضعة توقيفا ، ما دام الكلام صفة ذاتية قديمة من صفات اللّه عز وجل . وإلى العكس من ذلك ذهب المعتزلة اتساقا مع نظرتهم للكلام الإلهي على أنه صفة من صفات الفعل . وإذا كانت هذه القضية تبدو ناضجة جدا وواضحة المعالم في القرن الرابع حيث يعبّر ابن فارس عن رأي القائلين بالتوقيف ، ويعبّر القاضي عبد الجبار عن رأي القائلين بالاصطلاح ، وبينهما يتراوح ابن جني - رغم اعتزاليته - بين التوقيف والاصطلاح وتقليد أصوات الطبيعة . إذا كان الأمر كذلك ، فمن المؤكد أن القضية أقدم من ذلك ، إذ هي ترتدّ - كما أشرنا - للخلاف حول صفة الكلام وخلق